​​​​​​

الإعلام الاقتصادي يدعو الحكومة إلى تحرك عاجل لتوفير الغاز

 

 

يتابع مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (SEMC) بقلق بالغ الأزمة المتصاعدة للغاز المنزلي في عدد من المحافظات الخاضعة للحكومية اليمنية، وما يصاحبها من طوابير طويلة أمام محطات ونقاط التوزيع، وصعوبة متزايدة تواجهها آلاف الأسر في الحصول على أسطوانة غاز لتلبية احتياجاتها اليومية الأساسية.

وتشهد مدينة تعز وقبلها العاصمة المؤقتة عدن خلال الأيام الأخيرة أزمة متفاقمة للحصول على الغاز المنزلي في ظل توقعات بتصاعد الأزمة إلى مستويات أكبر.

ويرى المركز أن تكرار الأزمة على امتداد أشهر من عام 2026، وعودتها بعد فترات قصيرة من الانفراج والتدخلات الإسعافية، يؤكد أن المشكلة ليست نقص مؤقت للكميات فقط، وإنما يعكس خللاً في سلاسل إمداد الغاز يبدأ من الإنتاج في صافر بمحافظة مأرب، ويمر بالنقل والترحيل والتوزيع والرقابة، وينتهي بإمكانية حصول المواطن اليمني على أسطوانة الغاز بالسعر الرسمي ومن خلال الوكلاء المعتمدين.

ويؤكد المركز بأن الغاز المنزلي يمثل خدمة أساسية مرتبطة بالأمن المعيشي لملايين الأسر اليمنية وفي ظل أوضاع إنسانية شديدة الصعوبة عقب أحد عشر عامًا من الحرب، ولا يجوز أن تتحول الخدمة إلى معاناة يومية، أو يلجأ المواطنين إلى السوق غير الرسمية " سوق سوداء " لشرائها بسعر أعلى.

تشير البيانات الرسمية بأن معامل إنتاج الغاز في صافر خضعت لأعمال صيانة بدأت في 26 يونيو 2026م، قبل أن تعلن الشركة اليمنية للغاز في 16 أغسطس انتهاء أعمال الصيانة وبدء ارتفاع الإنتاج تدريجياً إلا أن ذلك لم ينعكس حتى الآن على استقرار الإمدادات بالغاز إلى المحافظات. كما أن جماعة الحوثي كانت قد قررت في وقت سابق عدم شراء كميات الغاز المنزلي من الحكومة ولجأت إلى استيراد احتياجاتها من الخارج.

ولا ترتبط الأزمة بكميات الإنتاج فقط، إذ قالت وزارة النفط والمعادن بأن ناقلات الغاز القادمة من مأرب تعرضت إلى 25 قطاعًا قبليًا منذ مطلع العام الجاري وحتى أغسطس، وأشارت إلى التوسع في استخدام الغاز كوقود للمركبات وبعض المنشئات التجارية نظرا لرخص ثمنه مقارنة بأسعار المشتقات النفطية الأخرى.

وتؤكد معلومات ميدانية جمعها فريق الرصد في المركز بأن تهريب كميات من الغاز المنزلي إلى دور القرن الأفريقي ومناطق سيطرة الحوثيين، يعد أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الراهنة لاسيما وأن سعر أسطوانة الغاز في تلك المناطق يصل إلى ثلاثة اضعاف سعرها في مناطق سيطرة الحكومة، وفي ظل تراجع قدرة الحوثيين على استيراد الغاز المنزلي من الخارج عقب الحرب الأخيرة بين إيران – والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

وتقلصت الحصص المخصصة للمحافظات حيث تراجعت الكمية المخصصة لمحافظة تعز من ١٣ مقطورة إلى ٧ مقطورات فقط، ناهيك عن الفجوة بين الحصص المخصصة للمحافظات والكميات التي تصل إليها فعليا، وما يصاحب ذلك من شكاوى حول السوق السوداء والتلاعب بالتوزيع.

ولجأت السلطات الحكومية والشركة اليمنية للغاز إلى حلول اسعافية من خلال إرسال شحنات إضافية غير أن تلك الحلول تمثل مسكنات فقط ولا تمثل حلولاً للأزمة.

لماذا تتكرر الأزمة؟

يرى مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أن الأزمة تأتي نتاج مجموعة من الاختلالات في مقدمتها خلل إداري ومؤسسي وضعف حوكمة، وغياب استراتيجية واضحة لإدارة المخزون وتغطية احتياجات السوق من الغاز المنزلي. ناهيك عن تغييب الرأي العام عن البيانات الواضحة حول حجم الإنتاج اليومي، والكميات المرحلة لكل محافظة، وما يصل منها فعلياً إلى المحطات والوكلاء، وهو ما يضعف الرقابة، ويفتح المجال أمام السوق السوداء، ويزيد أزمة الثقة في إدارة هذه السلعة الأساسية.

ويشخص المركز هذه الأزمة بأنها ناتجة عن ضعف في الحوكمة والشفافية في إدارة هذا القطاع، ونقص واضطراب في الامدادات سواء داخل منشآت الإنتاج أو نتيجة التقطع في الطرقات، وكذلك اختناقات في النقل والتوزيع.

ويحذر من أن استمرار الوضع الراهن يضيف أعباء جديدة إلى الأسر التي تواجه أصلا واحدة من أصعب الأزمات المعيشية، فشح الغاز يدفع بعض الأسر إلى شراء الأسطوانة من السوق غير الرسمية بأسعار أعلى، حيث يضطر المواطنين – في عدن وتعز على سبيل المثال - إلى شراء الأسطوانة 20 كيلو بسعر 20 ألف ريال يمني بدلاً من "11 ألف" السعر الرسمي (نحو 7 دولار أمريكي)، ويؤثر ذلك أيضا على النساء اللاتي يتحملن جانبا مهما من إدارة الاحتياجات المنزلية. بينما تبلغ سعر أسطوانة الغاز في صنعاء 7 ألف ريال "طبعة قديمة" أي نحو 13 دولار بسعر الصرف في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي.

وتمتد الأزمة إلى المنشآت الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة كالمخابز وترفع تكاليف التشغيل وأسعار بعض السلع والخدمات.

مطالب بحلول عاجلة 

وفي ضوء ما سبق: يدعو مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي الحكومة ووزارة النفط والمعادن والشركة اليمنية للغاز والسلطات المحلية إلى اتخاذ الإجراءات التالية بصورة عاجلة:

وضع خطة طوارئ فورية لتخفيف الأزمة في المحافظات الأكثر تضررا، وفي مقدمتها تعز وعدن، تتضمن زيادة الكميات المخصصة، وفتح نقاط بيع إضافية في مناطق الازدحام، وإعطاء أولوية مطلقة للاستهلاك المنزلي.

إقرار آلية صارمة للإفصاح عن حجم الإنتاج اليومي من الغاز المنزلي، والكميات المنقولة إلى المحافظات والكميات التي وصلت فعلياً، والتحقيق في تسرب الكميات لشبكات التهريب وبحيث يتم نشر ذلك بصورة دورية والكترونية وإطلاع الرأي العام.

الإعلان عن خطة فنية واضحة لاستقرار الإنتاج وتقديم تحديثات منتظمة للرأي العام بشأن أوضاع منشآت الإنتاج وأي أعطال أو أعمال صيانة قد تؤثر على الإمدادات.

رفع درجة الاستعدادات الأمنية ووضع ترتيبات فاعلة لتأمين خطوط نقل الغاز من مأرب، بالتنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية بما يمنع تكرار قطع الطرق واحتجاز الناقلات، والتعامل مع هذا الأمر باعتباره أمن قومي للبلد ويتم التعامل معه وفق آلية مؤسسية مستدامة.

تشديد الرقابة على محطات التعبئة والوكلاء ونقاط البيع، والإعلان بصورة واضحة عن السعر الرسمي للأسطوانة في كل محافظة، وتوفير آلية مباشرة للمواطنين للإبلاغ عن المخالفات، مع فرض عقوبات معلنة على بيع الحصص المنزلية خارج قنواتها الرسمية أو التلاعب بالأسعار والكميات.

الفصل بصورة واضحة بين الغاز المخصص للاستهلاك المنزلي واستخدامه للمركبات والمنشآت التجارية، بما يضمن عدم مزاحمة الاستخدامات الأخرى للاحتياجات الأساسية للأسر، مع وضع تنظيم مستقل ومستدام للطلب المرتبط بالمركبات والأنشطة التجارية.

البدء الفوري في إنشاء نظام رقمي لتتبع الغاز من الإنتاج إلى المستهلك، يربط منشآت صافر بالنقل والمحافظات ومحطات التعبئة والوكلاء، ويتيح لوحة بيانات دورية توضح الكميات المنتجة والمرحلة والمستلمة والمباعة في الأسواق اليمنية.

العمل على إنشاء مخزون استراتيجي للطوارئ وتنويع مصادر الإمداد، ووضع خطة لاستمرارية الإمدادات يمكن تفعيلها عند الصيانة أو الأعطال أو إغلاق الطرق، بحيث لا يتحول أي اختناق في الكميات إلى أزمة تمتد إلى المحافظات ويصعب احتواءها.

 

من الحلول الاسعافية إلى الاستدامة:

يرحب مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي بما أعلنته وزارة النفط من توجهات لإعطاء الأولوية للاستهلاك المنزلي، وإعادة تقييم احتياجات المحافظات، وتعزيز الرقابة، وتأمين خطوط النقل، والعمل على إنشاء مخزون استراتيجي للطوارئ. ويشدد المركز على ضرورة ترجمة تلك التصريحات إلى واقع ملموس من خلال جدول زمني ونتائج فعلية يلمسها المواطن في الأسواق.

إن ما تشهده المحافظات اليمنية من اختناقات بين فترة وأخرى لا يمثل أزمة عابرة إنما اختلالات جوهرية في سلسة الامداد للغاز ويعكس إدارة هشة لا تتمتع بالشفافية والحوكمة. لذا فالمطلوب اليوم إصلاح مؤسسي عاجل يعمل على استقرار الإنتاج ويضمن ظروف نقل آمنة وحصص عادلة وشفافة ونظام تتبع ورقابة فعال ومخزون للطوارئ.

إن مادة الغاز المنزلي تمثل جزء رئيسي من الأمن المعيشي اليومي للأسر اليمنية، واستمرار الطوابير والأزمات المتكررة بهذا الصورة يتطلب استجابة حكومية عاجلة وسريعة.

 

مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي

22 أغسطس 2026