بصيرتها، وعنف أولي القُربى

عدن- إصلاح صالح

من قرية نائية وسط اليمن، عُرف بين أهاليها أن التعليم "وصمة عار"، قدمت بعزم، تاركة ذكرياتها الجميلة، وأسرتها "المنفردة" التي دفعتها بحب لإكمال تعليمها الجامعي، لتركض خلف تحقيق أحلامها التي كانت ربما أكبر من مساحة قريتها.

 لم تتخيل "المبصرة" - كما أحبت أن أُناديها - وهي تحمل حقائبها وتغادر المنزل الذي تربت وكبرت فيه، أنها ستعود إليه مرة أخرى وهي تجر ذيول الخيبة!..

 

من هنا بدأت الحكاية.. 

ذات رحلة صباحية، وصلت "المبصرة" -24 عامًا- إلى محافظة عدن، جنوبي اليمن، رغبة في مواصلة تعليمها الجامعي، بعد أن أنهت تعليمها الثانوي في القرية عبر "الانتساب"، حيث لم تسمح لها إعاقتها الالتحاق بأقرانها في المدرسة، نظرًا لانعدام أدوات التعليم الخاصة بفئة المكفوفين، لكنها "حاولت اشعال شمعة وسط الظلام المعتم، وأكملت دراستها"، كما قالت.

تتذكر الفتاة العشرينية فرحتها حينها، وكم اعتبرت نفسها محظوظة لأن إحدى قريباتها تقطن في المدينة التي أوت إليها بأحلام وردية، وسط استقبال حار جدًا، وترتيبات جاهزة للالتحاق بالجامعة. 

 

مأساة "كورونا"

مضى العامان الدراسيان بشكل طبيعي، إلا أن في العام الدراسي الثالث غادرتها الأحلام، وعصفت بأمنياتها أوجاع الحياة.

جاء صوتها خجولًا ومتقطعًا وهي تقول: "من لمن بدأت كورونا وانحبسنا بالبيت، بدأ صاحب البيت يتذمر مني، كنت استمع خلسة لكلامه مع زوجته أنه بدون عمل ومن فين يجيب الفلوس، ووجودي معهم لهنا يكفي".

 شعرت "المبصرة" في ذلك اليوم، بأنّ تلك المدينة الصاخبة قد ضاقت، وهي الوحيدة إلا من عكازها الذي تهش به على متاعبها وعليه تتوكأ، فإلى أين تلجأ بعد أن أصبحت على وشك إكمال الحلم المنتظر.

"المبصرة": "استغل غياب زوجته التي تخرج كل يوم عشان تدور لشغل وحاول أن يتحرش بي، كنت ادافع على نفسي بالصراخ وخاف يسمعوني عياله وتركني، تمنيت الموت لأني كنت مجبرة على السكوت حتى ما اشتت العائلة اللي احتضنتني"، سقط الخبر في بحر من الصمت! توقف الحوار، وعاد السؤال لماذا؟ كيف له أن يستغل ضعفك؟ صوتها تحشرج حد البكاء بصمت، غادرتها دون إجابة.

 

"ما فيش" فرصة في الحياة!

وبابتسامة تحاول من خلالها إخفاء ألم دفين يعتصر قلبها، استقبلتني صباح اليوم التالي، وأكملت: "بعد عدة محاولات من التحرش الفاشلة، طردني من منزله، حاولت زوجته تمنعه لكن ما قدرت، وجزاها الله الخير وقفت معي ودلتني على بيت ناس أجلس عندهم".

هنا بدأت بالبكاء، جسدها كله يرتجف، حينها شعرت بسخافة موقفي، وجودي هو الذي سبب انهمار هذه الدموع، تكمل بنبرة أسى: "بعد أيام حاول واحد من عيال الحرمة اغتصابي لكن الصراخ كان سلاحي الوحيد، وكل مرة يتكرر هذا الشيء، تعبت كثير وانهارت اعصابي".

لم يعد هناك مكان آمن تلجأ إليه "المبصرة"، فوضعها لا يسمح لها بالعمل حتى توفر تكلفة إيجار منزل آمن تأوي إليه لتكمل مسيرة تعليمها، وإلا فإن طريق العودة إلى القرية هو الحل القادم، قالت باكية: "مافيش معانا فرصة في الحياة".

 

رحيل مبكر

اليوم هي تستقبلني في منزل إحدى زميلات الجامعة، التي فتحت لها أبواب منزلها شاكرة، تنهدت من الألم، وهمست لي: "كلهم هنا يتكلمون عني وكأنني من كوكب ثاني، يقولوا مسكينه معاقة"، ما أقسى هذه الكلمة "معاقة"، لقد بدأت شعلة الأمل تضعف لديها، ومعيار الإحباط يتزايد، وتجاعيد مبكرة رسمت على ملامحها، وشحوب يحكي قهر الأيام، لم أتمالك نفسي أمامها، نزلت من عيناي دموع ساخنة أحرقت خدي.

"أريد العودة إلى القرية أريد الرحيل"، هكذا قالت لي قبل مغادرتي، لقد رحلت "المبصرة"، عادت إلى قريتها مثقلة بالأسى، حزمت أمتعتها واضعة فيها ذكريات مؤلمة، لحلم تلاشى في منتصف الطريق.

 

مخاطر نفسية

وفي إطار ذلك، حذرت استشارية الطب النفسي، نجوين مغارف، من أن مخزون العنف الذي تعرضت له "المبصرة"، سوف تظهر آثاره بشكل أو بآخر، مؤكدة على أهمية تقديم العلاج النفسي العاجل لانتشالها من واقعها البائس.

وأضافت: "هذه مشكلة شائكة في المجتمع، اعاقة مع غياب الدور المجتمعي لدعم هذه الحالات ماديًا، غياب المؤسسات الحكومية في توفير مراكز تأهيل، غياب الدور الأسري الداعم. هذه الحالة عانت من الظلم حتى في محيطها القريب جدًا، وتهميش في حقوقها الإنسانية والمعيشية والاجتماعية".

وأشارت مغارف، إلى عدة حلول لمساعدة مثل هذه الفئة، منها توفير الدعم المادي شهريًا، وفتح مراكز تأهيل مهني، إضافة إلى ضرورة وجود ملجأ للمكفوفين ذوي الظروف الخاصة للسكن، حتى لا يتم استغلالهم جنسيًا أو جسديًا، وحمايتهم من التشرد، وتوفير سبل عيش يستطيعون من خلالها الانفاق والاعتماد على أنفسهم.

 

 خوف الفضيحة

من جانبها قالت أستاذة علم الاجتماع المساعد، الدكتورة إيزيس عبدربه المنصوري، إن التحرش ضد النساء لا يحتاج إلى نقل القضية فحسب بل لابد من حلول، وهناك الكثير من هذه القصص، إلا أن قلة قليلة من لديها الشجاعة للحديث، فيما يفضلن الغالبية العظمى من المعنفات الصمت خشية الفضيحة، في ظل نقص الوعي الكافي بضرورة الإبلاغ عن جرائم التحرش.

وأكدت المنصوري، أن "المبصرة" كانت ومازالت قوية بما فيه الكفاية ليجعلها تنجز مشوارها التعليمي، إلا أنها تحتاج فقط لمنزل تقطن فيه لحين انتهاء الدراسة، ويجب أن تخضع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لجلسة مع أخصائي نفسي.

ومن ناحية الجزء الخاص بالتحرش، قالت: "رغم أنها كفيفة ولم تستطيع الدفاع عن نفسها بما يجنبها قساوة الموقف فسوف يترك في نفسها ألم إلى حين تجد وتلتمس الأشخاص الخيرين في حياتها ومن يمدون لها يد المساعدة، حينها فقط ستمحي تدريجيًا من ذاكرتها الوجع والخوف".

 

مساحات آمنة 

ولتشجيع النساء على الابلاغ بحالات العنف، خصص اتحاد نساء اليمن خطًا ساخنًا لتلقى الشكاوى والبلاغات، وتقديم عدد من الخدمات، منها دعم الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وخدمة الدعم النفسي والصحي والقانوني، وخدمة التدريب والتأهيل، إضافة إلى الاستمرار في متابعة الحالة حتى بعد تقديم الخدمات.

وبخصوص ذلك قالت رئيسة اتحاد نساء اليمن بعدن، فاطمة مريسي، إن المختصون يتلقون حاليًا ما بين 3-5 مكالمة شبه يومية، لنساء يحتجن إلى دعم نفسي ومساعدة، وهو معدل يشير إلى تنامي العنف بسبب كوفيد-19

وتشير مريسي إلى تعدد أنواع التعنيف للنساء والفتيات اللواتي يصلن إلى الاتحاد، ما بين عنف جسدي ونفسي وعنف لفظي، وإيذاء أسري ومجتمعي.

ودعت رئيسة الاتحاد إلى تكاثف كافة شرائح المجتمع، لإعادة النظر في كيفية تبني مثل حالات "المبصرة"، بعد أن تعرضت لممارسات اللاإنسانية، وأغلقت أمامها كل الأبواب.

 

غياب القانون

ازدادت مؤخرًا حالات العنف ضد النساء، في ظل غياب القوانين والمواد التي تعاقب عليها المتحرش بشكل صريح، وبالتالي كثيرًا ما يفلت الجناة من العقاب.

وفي إطار ذلك، تؤكد المحامية والحقوقية هدى الصراري، "عدم وجود أي مادة قانونية خاصة بالتحرش بحسب الحالة الجسدية للأنثى في قانون الجرائم والعقوبات اليمني خاصة، حتى جرائم التحرش تُكيّف تكييف خاطئ، أحيانًا مثلا خلوة غير شرعية أو فعل فاضح، والاغتصاب في بعض الحالات في القانون اليمني يكيّف على أنه زنا، وتُلام الأنثى فيه".

مضيفة: "للأسف هذا وضع المرأة العادية، فما بالك بوضع المرأة من ذوي الاحتياجات الخاصة، كل قوانيننا بداية من الجرائم والعقوبات، إلى الأحوال الشخصية، إلى القانون المدني، فيها نصوص مجحفة بحق النساء، ونصوص تمييزيه، حتى فيما يخص اتفاقية السيدوا المصادقة عليها في اليمن، والتي من المفترض أن تواءم فيها التشريعات الوطنية، غير معمول فيها، وهذا ما نعانيه".

 

أرقام

وأظهرت نتائج استبيان أعدته المنظمة الإلكترونية للإعلام الإنساني ٢٠٢٠، لقياس العنف ضد المرأة اليمنية، في ظل انتشار جائحة كوفيد-19، تعرض ٦٠٪ من النساء اليمنيات للعنف، تصدر فيها الأب قائمة المعنفين بنسبة ٤٢٪، وجاء نوع العنف الجسدي الذي يشمل الضرب والصفع، على قائمة أنواع العنف الذي تعرضن له بنسبة ٦٦٪، وخشين ٨٣٪ من النساء الإبلاغ عن العنف نتيجة ضعف الأنظمة والقوانين الحامية لهن من العنف.

 

بلاغات العنف

 انضم إلى دائرة العنف مُعنفون جدد، في ظل انتشار "كورونا"، دفعت فيها النساء الثمن، باعتبارهن الحلقة الأضعف داخل الأسرة. حيث تقيدت حركة الناس، ومكثوا لفترات طويلة في المنزل، وتعرضت النساء لعنف أكثر من السابق، وهناك أيضًا من تعرضن لعنف أسري للمرة الأولى، نتيجة للضغوط النفسية المستجدة في ظل الجائحة.

وأشارت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فومزيلي ملامبو-نكوكا، في وقت سابق، إلى تعرض نحو 243 مليون امرأة وفتاة لعنف جنسي أو جسدي على يد الشريك عام 2019م، وتصاعد العنف المبلغ عنه بجميع أشكاله، بسبب جائحة كوفيد-19.

من جانبها أكدت بيانات منظمة الصحة العالمية، تزايد وتيرة العنف ضد النساء خلال كوفيد-19، مرجحة أن تؤدي التدابير المتخذة للتصدي للجائحة، إلى زيادة مخاطر تعرض النساء والفتيات للعنف.

تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج " الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19" الذي ينفذه مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA