بروفايل | قائد حمل المسؤولية في أخطر المراحل.. من هو اللواء “حمدي شكري” الذي عُين قائدًا للمنطقة الرابعة؟
أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي "رشاد العليمي"، الخميس 30 أبريل/نيسان، قرارات جمه...
تترك الصراعات في الغالب خلفها جحيماً يبتلع ليس كل ما هو مادي بل المعنوي أيضاً، ليس الإنسان من يحترق بلهيبها فحسب؛ بل الثقافة واللغة، الفن والإبداع، الصحافة وحرية الرأي، الحقوق والحريات.
في هذه السطور سأتلمس جوانب تتعلق بأثر الحرب على اللغة والثقافة، اللغة المنطوقة أو المكتوبة، اللغة كوسيلة تفكير أو كوسيلة للتخاطب, فهذا العصر الذي تضج أدواته في إيصال أو في تهويل الحدث الناشب وجعله في قائمة الاهتمام الأولى عن طريق تسخير الإمكانيات المتاحة التي تسلب الفرد انشغالاته ومهامه في الحياة وتجره عنوة وقسراً لهذا الحدث، وفرض الحدث سلطته المطلقة على الفرد إذا كان داخل الحيز الجغرافي المتعلق بالحدث فلا مناص من فراره أو بعده عنه والانكباب على مسار حياته كما كانت قبل ظهوره, الصراع الطائفي أو الإيديولوجي يسيطر اليوم بشكل مريع على ما نسبته كبيرة في اللغة وفي الثقافة باعتبار هذا الصراع واجهة اللحظة ومنطلق التفكير فيها، والمرآة التي يجب تكريس طاقاتنا لأجله مع الإرادة بتعميم هذه الفرضية حتى وإن لم يكن قد استقر صراعها بالصورة المهولة لها وكأننا نبحث عن قالب نتصارع داخله كضرورة حتمية دون أن نخشى العواقب الوخيمة على جوانبنا المشرقة كاللغة والثقافة. اللغة افترست الجانب الثقافي فيها والذي كان يعول عليه في الإبقاء على جمالها
مجتمع كمجتمعنا ما الذي يرتجيه من مثل هذه التسمية المجحفة بحقه والجارفة لوجوده وليس له ذنب فيها حتى يدفع الثمن باهظاً؟
تكمن السيطرة الفعلية في الجانب اللغوي والثقافي باعتبار أن اللغة قد شحنت طاقتها بأرضية هذا الصراع وتسربت أدواته وآلياته وباتت اللغة تؤدي دوراً يخدمه بامتياز، لغة الحديث اليومي بين العامة وبين النخبة، لغة الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، لغة قنوات التلفزة المرئية والمسموعة، كلها لغة منجرة وكسيحة باهتراء وهشاشة العنف ونبذ الآخر، الفصل على أساس الانتماء لدين أو عرق أو طائفة، فموانع التصادم منعدمة والواقع يستجيب لكل هذه المعطيات من دون ردع واللغة تغطي ما نقص. باتت اللغة تمثل الشرخ في النسيج الاجتماعي تحت هذه اليافطة، والخشية منها لو كرست جهدها لتأدية هذا الدور باعتبارها وسيلة تفكير يسري مفعولها بشكل أسرع من خلال تحكمها بالوعي الجمعي للمجتمع ومن ثم يتحول هذا الوعي إلى وسيلة تخاطب بعد أن كان في إطار التفكير, فكيف سنتمكن من استدراكه من بحبوحة اللغة لو تأصل هذا النموذج في الوعي وفي التخاطب؟ فغالبية التحيزات التي استحوذت على اللغة على مر التاريخ كانت المعاناة مرة للتخلص منها، فما بالك بنا من ننغمس وسطها بكل اشتهاء وكأننا نغوص في النعيم، وهنا تغدو اللغة مجرد غابة سوداء لا إشراق فيها ولا اتزان. لغة يفعل بها التأدلج ما يطيب له، ويضمن أي ردة فعل من قبلها طالما وأنه يتحكم بها من الداخل.
الأخطر من هذا هو افتراس اللغة للجانب الثقافي فيها والذي كان يعول عليه في حفظ ماء وجهها والإبقاء على جمالها الروحي والإنساني، فحين تسخّر كل ما تملك لخدمة الصراع؛ فهي تخفق في تغذية جانبها المضيء. لكن المسؤولية على عاتق من ينصّبون أنفسهم رموزاً للثقافة والأدب والفن والفكر باسم هذه اللغة، أن يعدلوا كفتها كرامة لهم ولها، أن يكونوا أداة ردع ضد جانبها القاتم؛ لأنه لا وجود لهم كرموز لو جرفتهم هذه الكارثة، عليهم مضاعفة الجهد في الانتصار للجمال على القبح والسلام فيها على العنف والحرية على التعصّب والانفتاح على التحجّر والتصحّر عن طريق بث ثقافة لهذه اللغة وإثبات أنها لغة ثقافة وسلام، لغة حب وعشق وغرام، لغة مرنة وليّنة بفكرها بأدبها بفنها وبقواعدها أيضاً، عليهم تعميم رؤاهم المشرقة وكتاباتهم المتزنة لصالح اللغة والثقافة وإلا فلا دور لهم البتة، وإن تركوا خلفهم المجلدات الثخينة والروايات السقيمة والدواوين العقيمة لا قيمة لها ما لم تصب في هذا المجرى ومستقبلها الرفوف المهترئة وستنساهم اللغة والثقافة في أقرب فرصة.
العربي