​​​​​​

الطبل في صنعاء والشرح في عدن

خليج عدن/ عبد الخالق الحود/ العربي

ذهب محللون وصحافيون يمنيون إلى قراءة حشد السبعين الأخير في صنعاء بعيداً عن جردة حسابات الحرب ونتائجها؛ فقال بعضهم إن صالح أبرم صفقة منفردة مع التحالف وسرعان ما سيقلب ظهر المجن للحوثيين مقابل وعود بسلامة الرأس والخروج من البلاد بتأمين التحالف �رضاه، وآخرون حمّلوا الحشد فوق ذلك، وقالوا إن «مشهد الحرب سيتغير بعد حشد المؤتمريين التاريخي في ميدان السبعين بصنعاء، وما بعده لن يكون مشابهاً لما قبله مطلقاً».
وبالمجمل، فقد تُلجئ الحرب الطرف المهزوم - أحياناً - للقبول بخيارات صعبة. وليس إعلان اليابان بيان الإستسلام إلا شاهداً واحداً من بين عشرات الشواهد على مآلات صراعات البشر وحروبهم الممتدة امتداد أزلية وجودهم على ظهر البسيطة. كما أن الدول المشاركة في الحروب الحديثة كثيراً ما تغير تحالفاتها، غير أن ذلك مرهون بمعطيات الأرض وحجم المصالح وقوة الخصوم، فتركيا - على سبيل المثال - أرغمتها نتائج معركة حلب المفصلية على تغيير موقفها في الأزمة السورية من طرف مشارك إلى وسيط تُملى عليه الشروط. وعليه، فلا يمكن أن تتبدل المواقف السياسية الكبيرة إلا تبعاً لمتغيرات وقائع الحرب على الأرض. وفي الحالة اليمنية، فإن مواقف أطراف الصراع على الأرض على حالها منذ أكثر من عامين، باستثناء تقدم التحالف على خط جبهة المخا. الكلمة في البلدان التي تشهد حروباً طويلة تكون للغلبة وللميدان
لا شك في أن الحشد الجماهيري الغفير الذي اجتمع الخميس في ميدان السبعين كان كبيراً، وأظهر قدرة حزب «المؤتمر الشعبي العام» على الحشد لأنصاره، وتمكن الحزب عبره من إرسال رسائل عديدة للداخل والخارج، من بينها أن أي تسوية سياسية قادمة سيكون للحزب نصيب فيها لا محالة. لكن الوقائع في اليمن تقول شيئاً آخر، وتنبئ بحسابات مغايرة لما تكتبه أقدام الحشود السلمية. فالكلمة في البلدان التي تشهد حروباً طويلة تكون للغلبة وللميدان وقعقعة السلاح والقوة العسكرية، وهذه أولويات تُقدّم أيضاً في بلدان النزاعات والصراعات، وهذا لا يعني بالضرورة أن الفعاليات الجماهيرية ليست هامة وذات جدوى سياسية، غير أنه لا يمكنها صنع تحول جذري في المواقف السياسية عند الأطراف المتصارعة؛ فمعطيات صراع الأرض تمتد لأكثر من اثنين وثلاثين شهراً طويلة ومتشعبة ومتشابكة ومعقدة تعقيداً يشابه تعقيد ملفات صراع الديوك المتناحرة منذ 15 عاماً بين ضفتي دجلة والفرات، وعلى باحات مسجد الأمويين في دمشق عاصمة الرشيد.
تغيير التكتيك
ولأن الدولة العميقة الموالية لصالح في عدن لا زالت فاعلة وقادرة على التحرك، وإن كان ذلك التحرك قد بات اليوم محصوراً وفي نطاق محدود، إلا أن التقاء أهدافه الآنية مع أهداف الشرعية سيتيح له مساحة وقوة أكبر للتأثير. لذلك، فعدن مقبلة على جولة جديدة من تصفية الحسابات بين الفرقاء، ومديرياتها ستكون صندوق بريد عام لإرسال الرسائل وجس نبض الخصوم والحلفاء معاً. ومن بين أهداف الطرفين نقل التوتر من صنعاء إلى عدن، والذي يأتي أيضاً ضمن حسابات ومعطيات الربح والخسارة لدى أطراف الصراع المحلية، وقياس إجادتها سرعة تحريك البيادق؛ فصالح كان من بين أهم أهداف حشده في السبعين بصنعاء إظهار ضآلة شعبية خصومه المتواجدين في الرياض، وأولئك القريبين أكثر، القابعين في قصر معاشيق.
باقية وتتمدد:
الحرب في اليمن وفق مواقف أطرافها جميعاً ستستمر دون تغيير؛ إذ لا جديد يمنعها من الدوران، فطائرات التحالف رفعت خلال اليومين الماضيين من وتيرة تحليقها فوق سماء صنعاء، وعلى مختلف الجبهات لا زال أزيز الرصاص يعلو مبدداً كل دعوة للسلام.