عدن
الاكتئاب.. أثر حرب ثقيل
حينما تنتهي الحرب وتعلن مغادرتها يُظن أنها تترك خلفها أوزار مادية ترسم على الأبدان والمباني فقط، لكن الذين اختبروا الحرب يعرفون أن لها أوزاراً أخرى أكثر ثقلاً من الجروح والندبات الجسمية، ندبة الرحيل عن الدار وندبة فقدان الأحباء وندبة الألم النفسي المرير الناتج عن تجربة صعبة ومؤلمة وقاسية للغاية.
هذا الميراث من الندبات ينمو في أنفسٍ هشة ركيكة اكلت أصوات النيران مقاومتها وصلادتها النفسية، يكبر الميراث ويتضخم ليُدخل صاحبه في دوامة "الاكتئاب" والذي بدوره يخضعه لمقصلة من الاتهامات والتصنيفات القاسية من المجتمع حوله.
ووفقاً لدراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية في يونيو 2019 والتي استهدفت مناطق الحروب والنزاع حول العالم "فإن واحداً من بين كل خمسة أشخاص في مناطق الحرب يعانون من الاكتئاب" وفي ظل الجهل الذي يعم أرجاء تلك المناطق فإن معاناة المريض تتفاقم وتزداد حالته سوء إذ يعتبر المرض النفسي وصمة عار في تلك المجتمعات الأمر الذي يحشر المريض في زاوية ضيقة فتتفاقم مشكلاته وتنحدر إلى أسوأ مستوياتها.
اكتئاب الحرب
بحسب الطبيبة النفسية "عبير زليخي" فإن النزوح أحد أهم الأسباب التي تودي بصاحبها إلى الاكتئاب بسبب الضغط الهائل الذي يقع عليه، فهو في طريق فقدان منزله وذويه وماله والانتقال إلى منطقة جديدة لا يعلم عنها شيء ولا يملك فيها مأوى ومسكن فيتعرض الشخص لعدم تكيف ويتحول إلى اكتئاب إن ازدادت الضغوطات عليه.
وأشارت زليخي إلى أن كثير من النساء يتعرضن للاكتئاب أثناء الحروب، بسبب ذهاب أبناءهم أو أزواجهم إلى الجبهات القتالية ما قد يعرض بعضهم للقتل أو الجرح.
كما شددت الطبيبة على أن للألغام ونتائجها الوخيمة دور هام في اكتئاب الحروب، فالشخص الذي يتعرض لإصابة لغم غالباً ما يفقد بعض أجزاء منه أو تحدث له عملية بتر لأعضائه الأمر الذي يجعله في حالة نفسية غير مستقرة وبالتالي أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.
وقالت الطبيبة أن من جملة الأسباب أيضاً فقدان الأحباء في الحروب، وذكرت لنا في هذا الصدد قصة ناجٍ من الاكتئاب تقول إنه خرج ذات يوم من المنزل ذاهباً إلى السوق وتاركاً خلفه منزلاً يسوده الحب وزوجة وأطفال يلعبون وحينما عاد تفاجأ أن قذيفة هجمت على بيته فأردته حطاماً وأصبح أهل بيته جثث هامدة تحت الركام، كانت صدمة قاسية أدخلته في اكتئاب شديد للغاية مصحوب بأفكار انتحارية ومحاولات انتحار كثيرة لكن لحسن حظه قد تمت معالجته على مراحل وهو اليوم ينعم بصحة نفسية جيدة ومستقرة.
مصاب الاكتئاب
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن أعراض الاكتئاب تتلخص بانخفاض مستوى الطاقة بشكل ملحوظ وتدهور الحالة المزاجية للمريض وظهور مشاكل في النوم مثل الأرق أو النوم الطويل ومشاكل في الطعام كالشره أو فقدان الرغبة بالأكل مطلقاً وبعض الأعراض التي تتشابه مع القلق وكذلك الشعور المفرط بتأنيب الذات واللوم على النفس، كما أن الأعراض تختلف عند الأطفال وكبار السن مما عند العامة وتكون النساء أكثر عرضة للاكتئاب بحكم التغيرات الهرمونية التي تحدث للمرأة.
وصمة
لا تبدو مجتمعات الحروب مكاناً صالحاً لبيئة تعترف بالمرض النفسي وتبعاته، فأولئك الذين دهست الحياة عليهم من نواحي عديدة لا يجدون من الرفاهية ما يجعلهم ذا اهتمام بالنفس وأمراضها ناهيك عن المجتمعات قاصرة العلم التي هم منها بالأصل، لذلك يجد المريض صعوبة بالغة في التماثل للشفاء في ظل عدم إيمان من حوله بحقيقة مرضه فمنهم من يعتبر ما به ضرب من ضروب السحر، وبعضهم يبدي له النصح بضرورة القرب من الله اعتباراً أن ما فيه ضيقٌ روحي إثر إهماله العبادات الدينية، أما السواد الأعظم فيعتبره "مجنون" ووصمة مخجلة مذنبة.
وهكذا يعاني المريض الأمرين ويلفظه المجتمع بعيداً عنه وفي ظل الحروب يزداد الضغط عليه فتلقاه عاجزاً قاصر الوصول إلى النجاة.
وقالت الطبيبة عبير أن كثيراً من حالات الاكتئاب التي تتردد عليها من الشباب الذين يأتون مع أهاليهم، يتقمص الأهل دائماً دور المدافع فتلاحظ الأم تدافع عن تهمة الاكتئاب التي ستلقى على عاتق ولدها فتؤكد أنه هكذا من أول أيام حياته، لا يحب اللعب ولا الخروج مع أصحابه ودائماً مُنزوٍ ووحيد.
دواء
تذكر الطبيبة زليخي أن مرضى الاكتئاب يعانون من انخفاض معدل السيروتونين في أدمغتهم وهو ناقل عصبي مسؤول عن السعادة في الإنسان لذا تعمد مضادات الاكتئاب على اعادة التوازن للاختلال الذي حدث في المخ وبالتالي اعادة الوظائف إلى طبيعتها تدريجياً بمساندة العلاج النفسي والاجتماعي، وتشدد الطبيبة على أهمية العلاج الدوائي لمرضى الاكتئاب وإن كانوا في الطور الأول للمرض، وأن كمية صغيرة من العقاقير من شأنها أن تعيد له نشاطه وقوته وتنظم ساعته البيولوجية وبالتالي استجابته للعلاج النفسي تكون أكبر وأكثر.
وبحسب الطبيبة فإن كثير من مرضى الاكتئاب الناتج عن الحرب كالنازحين واللاجئين والمصابين يتلقون هذه الأدوية من قبل المنظمات والمؤسسات وفاعلي الخير، وقالت إن مركز الإرشاد الأسري في عدن وصنعاء بات يحتضن مرضى الاكتئاب ويقدم لهم العلاج الدوائي والنفسي مجاناً.
علاج نفسي
تقول الأخصائية النفسية "أسرار الحاج" أن أهم وسائل العلاج لمريض الاكتئاب الناتج عن الحرب هي التنفيس الانفعالي، فالشخص الذي تعرض لصدمات عنيفة كالرحيل عن منزله وبيئته، وفجأة يرى نفسه في مكانٍ جديد قد لا يألفه ولا يتكيف معه فيبدأ بكبت مشاعره خوفاً وحرجاً ويخفي مشاعر الحرب بداخله وتتراكم مما تجعله فريسة سهلة للاكتئاب، ومن تعرض للرصاص وأصوات القذائف وشاهد الدماء، فتتولد بداخله مشاعر عن الحرب تجعل منه مريضاً نفسياً إذ لم يلقى الوسيلة الصحيحة للتنفيس والتفريغ عنها.
وأوضحت الحاج إلى أن الحديث وسيلة تفريع جيدة وفق بروتوكولات خاصة يستعملها المعالجون حتى يحصل المريض على النتائج المرجوة، مشيرة إلى أن هناك مرضى لا يتمكنون من إظهار مشاعرهم وتنفسيها عن طريق الكلام فيلجأ المعالجون إلى استخدام وسائل أخرى مثل حلقات الرسم التي تضم جماعة من الأشخاص المتأثرين.
وتذكر الأخصائية وسيلة هامة من وسائل العلاج النفسي وهي العلاج الجماعي حيث يقوم أساس هذه الوسيلة على جمع عدد من المتضررين وتنظيم الحديث والحوار بينهم، هذا الأمر يجعل المريض يشعر أن هناك من هو مثله وأن معاناته ومشاعره ليست سخيفة وأن حزنه على شيء قد مرت عليه السنين والأعوام ليس شيئاً تافهاً، يشعر المريض بالألفة مع الجماعة وبالتالي التحفيز على تغيير ذاته إلى الأفضل.
التوعية
إن الجهل معضلة حقيقية، فإن تلقى المريض العلاج الدوائي والنفسي ثم عاد إلى بيئة أُسرية لا تعترف بأساس مرضه أو بيئة مجتمعية تنظر إليه بعين الجنون فإن صحة المريض النفسية لا تحرز تقدمها المطلوب وقد يبقى أسيراً للاكتئاب مدى حياته، وبحسب دليل MSD فإن العلاج الاجتماعي جزء مهم لتماثل المريض للشفاء التام لذلك توعية الأشخاص المحاطين بالمتأثرين نفسياً شيء مهم للغاية، وهنا يأتي دور الأطباء والأخصائيين إذ البُد من توعية أهالي المرضى عن طريق الجلسات التوعوية الخاصة بهم والتي تتضمن إيصال الحقائق إليهم بأن الاكتئاب مرض نفسي وليس جنوناً أو سحر أو بعد ديني والتشديد على أدوارهم في مساندة ذويهم والوصول بهم إلى مستوى صحي أفضل، كما يلعب المجتمع دوراً هاماً في علاج المريض فهناك من يتماثل إلى الشفاء لكن وصمة المجتمع له تعيقه من ممارسة حياته الطبيعية كما في السابق وهنا يأتي دور التوعية للمجتمع وذلك من خلال جلسات التوعية والنزلات الميدانية وعبر الإذاعة والتلفزيون والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي .
ضوء في آخر النفق
أ.م ، شاب يمني تمكن من قهر الاكتئاب ودحر قواه العليا التي سلطت نفسها عليه إثر معايشته لحرب 2015 في عدن، فبعد الحرب دخل الشاب في أزمة نفسية شديدة الضيق بسبب معاصرته للحرب ولضائقة مالية عقبت الظروف الاقتصادية المتهالكة في البلد، يقول الشاب "كنت أشعر بالتحطم الشديد وعدم الرغبة بعمل شيء وإن كان من السابق شغفاً لي، تضاءلت رغبتي في الحياة ولم يعد شيء يغريني، فقدت جميع مواهبي وانخفضت طاقتي تجاه كل شيء لاحظ أهلي هذا الوضع السيء الذي اجتاحني فجأة وتوجهنا إلى العيادات النفسية وصُرفت لي مضادات اكتئاب وبعض عقاقير جالبة للنوم حتى أتمكن من معاودة حياتي الطبيعية واعادة النشاط إلى جسدي المنهك الضعيف.
إن من حق الجميع أن ينعم بصحة نفسية مستقرة لا تشوبها اختلالات، فمتى تتوقف الحروب وتنتهي من توريث أوزارها النفسية الثقيلة إلى النفوس؟