مثل سائح هولندي يتنقل في فنادق الخمسة نجوم..!

46

لم يعد ثمة ما يمكن أن نتحدث عنه ، قلنا كل ما لدينا ، وتعرضنا للقسوة ، والتهكم ، واستهلكتنا السياسة ، حتى غدونا أشبه بعصف مأكول. الحقيقة لم تعد شفافة إلى تلك الدرجة، أو قلعة محصنة الأسوار. لقد سقط آخر حائط ولم يبق سوى العراء .

من يكسر هذا الطوق, ومن يعيد إلى الأرض بكارة أحلامها؟!.

 كان هذا النوع من الأسئلة يتدفق في ذهني حين  رأيت ذلك الرجل القادم من أقاصي الجحيم (أبين) ،

يقلب بعض أوجاعه وكأنه يقول لي " يؤلمني أن أجد ذاتي مجرد بقايا إنسان رمته قسوة  الحياة إلى شواطئها المحزنة ، منكسر مأسور ينسدل كالليل في فراغ المتاهة الكبيرة، تلسعه أحاسيس الضياع ، ويذوده الأمل نحو مرافئه التي ما أن يأتيها حتى يجدها كسراب بقيعة وأشلاء  تصر على التشظي أكثر وأكثر، لتلامس كل الدخان الذي يعلو ضحكات الأطفال المكبوتة في مدارس عدن، حين تعانق بحنو الم آخر ، تناثر فوق أشلاء كانت ذات يوم.. حكاية محافظة، اسمها أبين   .

لا تتفاعل الدولة مع مآسيها ، ولا تستطيع أن تحتشد لترميم صدعوها البتة ،صارت  أشبه بمشلول فقد إرادة الحركة ، أو جف نبع مشاعره ،ربما أن مشكلة الدولة أنها ليست دولة ، فلم يعد ثمة شيء منها  يصلح لقليل بكاء، أو أشياء أخرى تصلح للاستعراض بعد العصر، في مقايل القات ، للفت أنظار الموجودين إلى ثقافتك  السطحية جدا ،أو يحفز احد المخزنين على ارتكاب خطيئة التعرف عليك .

وحتى الحديث عن نكتة "سيادة الدولة " ولو- بحياء فتاة ريفية ليلة دخلتها - صار حديثا مثاليا ونوع من النرجسية المبالغ فيها ،لدى الكثيرين . فما بالكم عند( الترافع) عن دولة كهذه التي لم يعد منها ، سوى " نشيد  ومنتخب وطني يخسر بانتظام" ، في قناة ( أرضية ) لا يشاهدها على – الأرجح – أحد . باستثناء  زوجات  العاملين فيها، كنوع من  التفاخر الذي  تحتاجه المرأة  أمام نساء الحارة، لا أكثر.

 أيضا سيكولوجية اليمني هكذا .." قلبه الرقيق وفؤاده اللين ، لا يتحركا إلا إلى لنكبات الخارج .

مخلوق عنكبوتي عجيب ، ينقلب إلى إنسان وديع ذو مشاعر فياضة بالرحمة حين يعلم أن شخص في غزة مصاب بحمى ليس بالشديدة.

مثلا . من سيتبرع  لنازحي   أبين  بحبة "أسبرين  " ؟ من هي المرأة اليمنية التي ستتبرع بأسوارها الذهبية ، ومن هي التي ستقوم بتطعيم الكعك " بخاتم ذهب " ومن هي التي ستكتب على الكعكة :" ربنا معكم وقلوبنا معكم" كما صنعت في كارثة 94 م ، و أي فقيه سيصدر فتاوي الإنقاذ كما أصدر فتاوى الحرب في  صيف 94 م.!

لقد سامهم سوأ العذاب ، أنهكهم ذلك  التشرد ، الذي يكسو ملامح الحياة ، مغضوب عليهم  بلا سبب ، مغدورون كوصايا "ترو تسكي"، مدهوسون يلوذون  بركن تجلياتهم المؤلمة ،هناك حيث يحصون مآسيهم التي لا تنتهي .

 يمارسون الحزن بعيدا عمّن يضيّقون عليهم  الخناق حتى للبكاء دون أن يراهم أحد، دون أن يعبث الآخرون بخط فلسفاتهم على جدار معاناتهم الآيل للسقوط ، الذي أسداه إليهم ، الوخز الحاد ، المندلق من أفواه بنادق قتلت حقهم  في التفاؤل والحياة بشغف  ،قلوبهم  يتمدد فيها الرعب على هيئة ثعبان في الرمل  ، نبضها مسكون بالأسى ، ومرارة الخيبة .

 لا يأبهون  لابتسامات توزع عليهم كأنها أوراق خريفية جافة ، تمارس التشرد على أرصفة الخوف ، فقد تخلى عنهم الفرح ،وصارت حياتهم بلا معنى .

هجروا  منازلهم مرغمين  ويقيمون الآن في الضياع  ، وكل يوم يزدادون يقينا أن الوطن لا يتسع إلا  لقلة موسعة، تتوسع على حساب حقهم في العيش ، وتتب رجز على وقع جراحاتهم ، ولم تقدم  لهم  سوى "مجموعة ضفائر " يشنقون بها أحلامهم كل صباح .

وفي المساء يأتي احمد  الكحلاني - وزير الدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى - يتحدث عن جهود تبذلها الدولة لتحسين أوضاعهم – أي النازحين -  بحماس منقطع النظير! ،غير انه مجرد كلام يتوارى خلف غيم  كثيف من البؤس يحجب عنا التفاؤل  . الشيء الذي يحضر على الدوام بالتزامن مع تصريحات احمد الكحلاني : هي المأساة ، لكنها تغيب تحت وهج الصورة ، ويتحدث عن أوضاع النازحين وكأنه يتحدث عن أوضاع ( وزير) مقرب ومقرب جدا ، يتنقل في فنادق الخمسة نجوم مثل سائح  خواجة هولندي .

ربما تحسنت أوضاعه جدا . من ساعة أوكلت  إليه مهمة تقليص خارطة البؤس الممتدة على امتداد معاناة النازحين، ومساحات الحزن في تضاريس الوجوه الشاحبة ..أما  النازحين : أوضاعهم  مازالت كما هي ، "سيئة للغاية " ولم يتغير شيء .

مشكلة الكحلاني انه وزير الدولة –هكذا ينادي السحرة بعضهم بأسماء مستعارة- وليس فاعل خير او يعمل لحساب منظمة طوعية ، كما يحاول أن يصور نفسه ، وإلا لما وجدت نفسي – مجبرا-  أمارس  الإساءة  للغة  .

مشكلة متأصلة في وعي المسئول اليمني .. يستثمر حتى في الجراح ، ويفكر بدماغ تاجر جشع لا تبدوا المأساة في عينه مأساة بقدر ماهي فرصة لتحقيق الثراء .

انتهازي من النوع المترف ، يبدأ الكلام  باسم الخالق لتأتي الأفكار تباعاً وعلى صحن من ذهب ، مأمون الجانب هو ،

يسمع الموسيقى الكلاسيكية لتتهيأ له كل الأجوبة على الورق ،هو على أهبة الاستعداد لردع المشاهد ، بدم بارد ،

يخرج أمام العدسة و كهولته البليدة مغلفه كما يغلف الموت الكائنات البشرية في عمق الوطن ينافح ، يخوّن ، يقاتل لأجل المال والمنصب ، يبرر ويتحذلق جيئة وذهاباً أمام هذا المشهد ،مشهد(النزوح) المليء بالكسور والحروق ذات الدرجات الأولى ، لا زال المتحذلق يشاكس على التلفاز، ويزيد بأن من يستحق  القتل يجب أن يقتل .

أمام هذا المشاكس فنجان من الطمأنينة ومبرّد بماركة السلطة  تعلو عنجهيته تباعاً ، وربطة عنق غالية الثمن ، تساوي أضعاف سعر الضمادات الملفوفة على ذراع  كل من أصيبت ساقه أو يده بشظية في زنجبار، وجروح  المجني عليهم في الطرقات ، وربما أسعار المعونات المقدمة من منظمات  تتعاطى مع مفهوم  الإنسانية -  المصطلح الذي يجهله الكحلاني -  وأقطع أطرافي الأربعة ،  إن  كان يقرأ  شيئا عن  حقوق الإنسان . عدى القصة الخرافية - الرفق بالحيوان - التي عزتها مدرسة القراءة في الصف الثالث الابتدائي  إلى أعرابي  ساذج ، على افتراض أن  الكحلاني  تلقى تعليمه الأولي  في مدرسة وليس في (عكفة) القرية ، على يد قيم الجامع.

انتهى المتحذلق من وقت المقابلة بعدما كذب وبرر وأطرى وشرّع ، انتهت المقابلة وخرجت الأخبار إلى الضفة الأخرى من اليمن السعيد الذي يقاوم من أجل الأشياء التي طفت على وجهه ،سببها في الغالب العقلية التي تدير البلد بمزاج سيء جعل من الفوضى سيدة الموقف .

مضى أكثر من شهر، من حين  ذهب الرجل الذي يصر بأن لا يفهم ، قالوا بأنه رحل للعلاج أو الاستجمام في كنف دولة قالوا أيضاً أنها شقيقة وهم دائماً يقولوا أشياء شيقة ولكنها غير مهمة كمصير من رحل ، وقالوا بأن تلك الشقيقة تكافئه الآن على جهوده المخلصة طوال الفترة الماضية وتعتني به . رغم أني على ثقة  أنه يملك  من النقود  في حساب بنكي مقيد  باسم مستعار - أو اخبروه أن  إحدى الحفيدات قالت  ذات حلم، أنها  ستسمي  طفلها البكر  بنفس الاسم  حين تكبر  وتتزوج  من ابن عمها الذي لا تحبه في الأصل .. هي تعلم جيدا أن  توريث كل شيء واحتكاره  في نطاق العائلة هو الثابت  في ثقافة الأسرة .. يملك فيه ما  يكفي لعلاج سبعين  ألف  مواطن  . في حين معظم الذين أرسلهم – تجار الحروب– من منازلهم في أبين  إلى مدارس وشوارع المحافظات المجاورة ، لا يملكون ما يمنحهم تذكرة عبور إلى طبيب أعشاب أو صيدلية تبيع أدوية تالفة ومهربة !، كل الذي تمنحهم الحرب ، هي" تذاكر عبور مباشرة إلى التشرد " دون أي ترانزيت ، هذا إن افلتوا من قذائف مجنونة تمنح  عشرين نازحا  تذكرة عبور جماعية إلى حياة البرزخ مع سائق الباص ،وهم في الطريق إلى التشرد ولم يصلوا بعد ، تقلع بهم  بسرعة وقع الدم، فيصلون  في غضون ثواني، مع أن الروح  تقطع سبع سماوات حتى تهبط في مطار( رضوان) السماوي .  حيث لا كفيل يتولي مهمة تدجينك ولا تضطر حتى أن يتم فحصك كبقرة دنماركية قبل أن يسمح لك بعبور الحدود .

ربما على الأقل لا تعترضهم نقطة تفتيش أمن مركزي  يها ترانزيت مقرف و جنود خارقين الذكاء في التفتيش ، الى درجة أنهم  يجردوا المصابين_ بقذائف ينقصها العقل على الدوام _  تلفوناتهم النقالة ، ولا ينسون أيضا  التأسف لأنهم قصفوا باص الأجرة  على افتراض أن من كانوا  بداخله " عناصر من تنظيم القاعدة . هذا العدو الافتراضي .

 

 

 

مقالات الكاتب