تقارير خاصة
المناضل محسن الجبلي في العناية المركزة بعدن.. تاريخ نضالي يستحق الوفاء
يرقد المناضل الاكتوبري والسبتمبري محسن صالح الجبلي، والد الزميل الصحفي محمد الجبلي، في قسم العناية المركزة بمستشفى برج الأطباء في العاصمة عدن، إثر تعرضه لوعكة صحية حرجة تستدعي رعاية طبية عاجلة ووقفة إنسانية كريمة تقديراً لتاريخه النضالي الطويل وإسهاماته في الدفاع عن الثورة والجمهورية.
ويمثل وقوف الجهات المسؤولة إلى جانب الرموز الوطنية وفاءً وتقديراً لما قدموه من تضحيات في مراحل مفصلية من تاريخ الوطن، فيما يواصل أحفاد المناضلين تقديم التضحيات ويسطّرون بدمائهم عنوان مسيرة جيل كامل من المناضلين.
من رجال سبتمبر إلى مناضلي أكتوبر
ينحدر المناضل محسن الجبلي من أبناء مديرية الأزارق، وهو من الرعيل الأول الذين جمعوا بين النضال في ثورة سبتمبر وثورة أكتوبر. وقد شارك وأسهم في فك الحصار الذي فرضته القوات الإمامية على العاصمة صنعاء خلال حصار السبعين يوماً.
وبعد معارك فك الحصار عن صنعاء، عاد محسن الجبلي برفقة مجموعة من رفاقه إلى الجنوب للمشاركة في تفجير ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني، في امتداد لمسيرتهم النضالية التي جمعت بين الدفاع عن الثورة والجمهورية في الشمال، والكفاح من أجل التحرر والاستقلال في الجنوب بقيادة المناضل راجح لبوزة، الذي كان لاستشهاده أثر كبير في تصاعد المقاومة واتساع رقعة المواجهات ضد الاستعمار.
رحلة التدريب في مصر وتشكيل جيش التحرير
يستعيد المناضل محسن الجبلي أنه في سياق الاستعداد لقيام الثورة، كان لمصر العروبة دور بارز في دعم الثوار، حيث جرى اختيار مجموعات منهم للتدريب والتأهيل العسكري في جمهورية مصر العربية، بناءً على توجيهات الزعيم العربي جمال عبدالناصر.
وبحسب ما أورده المناضل في الأيام السابقة عن بعض محطاته مع الثورة، فقد أُوكلت مهمة اختيار المناضلين إلى عدد من القيادات الوطنية، من بينهم مكاوي وقحطان الشعبي وعلي بن علي هادي وباسندوة وآخرون. وتم اختياره ضمن الدفعة الثانية التي أُوفدت إلى مصر بعد انطلاق الدفعة الأولى، حيث بدأت رحلة المجموعة عبر تعز، ومنها إلى صنعاء، ثم إلى الحديدة، حيث كانت سفينة تنتظرهم لنقلهم إلى مصر.
وأضاف أن المجموعة مكثت في مصر عاماً كاملاً في التدريب والتأهيل العسكري، وعلى الرغم من تزامن وجودهم هناك مع نكسة يونيو 1967م، فإنهم أتموا برنامجهم التدريبي وتسليحهم، قبل العودة إلى أرض الوطن ضمن قوة قتالية مدربة من المشاة عُرفت باسم "جيش التحرير".
وشكّل وصول هذه القوة إضافة مهمة إلى قدرات الثوار، وأسهم في تعزيز تقدمهم في المواجهات ضد القوات البريطانية، وصولاً إلى تحقيق الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967م، وهو اليوم الذي مثّل تتويجاً لمسيرة طويلة من النضال والتضحيات.
سؤال يستحق الوقوف عنده
لا يتسع المجال لسرد المحطات التاريخية للثورة ورموزها، لكن يبرز أمامنا سؤال مهم: ماذا قدمت الحكومات المتعاقبة لرجال الثورة؟ الرجال الذين أفنوا سنوات من أعمارهم في سبيل الثورة والجمهورية والاستقلال.
فقد رحل كثير من هؤلاء المناضلين دون أن ينالوا ما يستحقونه من رعاية واهتمام وتقدير، فيما لا يزال من تبقى منهم يواجه ظروفاً صحية ومعيشية صعبة، في وقت يفترض فيه أن تحظى تضحياتهم بمكانة تليق بتاريخهم وما قدموه للوطن.
ولعل وجود المناضل محسن الجبلي اليوم في العناية المركزة يعيد هذه القضية إلى الواجهة، ويضع الجهات الحكومية والمعنية أمام مسؤولية إنسانية ووطنية تستوجب التحرك وتفقد من هم على قيد الحياة، وتقديم الرعاية الصحية اللازمة كرد جميل يتناسب مع تاريخه النضالي.
ومع رحيل معظم مناضلي الرعيل الأول، لم يتبقَّ منهم إلا عدد قليل، الأمر الذي يجعل الاهتمام بهم وتكريمهم مسؤولية حفاظاً على الذاكرة الوطنية التي تجسدها سيرتهم وتجاربهم.
وفي مقدمتهم المناضل محسن صالح الجبلي، الذي يرقد اليوم في العناية المركزة بعدن، وهو بحاجة إلى وقفة تضامنية جادة ورعاية طبية كريمة، تأكيداً على أن من خدموا الوطن في مراحل صعبة يستحقون الوقوف إلى جانبهم في أوقات الشدة.