تقارير خاصة
اندثار التنوع الديني في عدن
شكلت مدينة عدن على مر التاريخ حاضنة للعديد من معتنقي الديانات والطوائف المختلفة، وتواجد فيها عدة من الصروح الدينية التاريخية كالمساجد والكنائس والمعابد اليهودية والهندوسية، بحكم موقعها الجغرافي الذي يقع على طريق التجارة العالمية، والأحداث والوقائع التاريخية التي شهدتها في الماضي.
وبحسب التعداد السكاني للعام 1955 الذي تم ذكره في كتاب زوايا من تاريخ ولاية عدن للباحث بلال غلام، وصل عدد معتنقو الديانات والطوائف الاخرى ما يقارب 138ألف نسمة، شكل المسلمين النصيب الأكبر بنحو 126ألف نسمة من سكان عدن، والمسيحيين نحو 5600 نسمة، بينما الهندوسيين 4,786 نسمة واليهودية 831 نسمة والفرس 596 نسمة وآخرون 480 نسمة.
مفهوم الأقليات
عرفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الأقلية بأنها "عبارة عن مجموعة إثنية أو دينية أو لغوية، يكون عددها أقلّ من عدد بقية السكان. أمّا السكان الأصليون فهم الأشخاص الذين كانوا يملكون أراضٍ في إقليم محدّد قبل غزوه أو استعماره."
التأثر بالقرارات السياسية
ومنذ العام 1947م، بدأت ملامح التعايش في عدن بالتأثر بالقرارات السياسية والتغيرات في إدارة الدولة، وكان لليهود في عدن النصيب الأكبر من هذا التعسف، ومنذ إعلان الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين، تحولت حياة اليهود في عدن إلى جحيم لا يطاق، وبعد انتهاء الاستعمار البريطاني لعدن، غادرت غالبية الجالية المسيحية، ولم يتبقى من المسيحيين إلا قلة قليلة تمثلت بالعاملين الدوليين والراهبات.
وبحسب الباحث بلال غلام، فإن الخناق بدء يضيق على هذه الأقلية عقب تعرضت كنيسة المسيح لعملية تفجير بعبوة ناسفة في الأول من شهر يناير 2001. حيث أقدم مسلحون بإحراق كنيسة "القديس يوسف" في 15 سبتمبر من العام ٢٠١٦، وبحسب ما نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش، عن شاهد عيان، فإن عددا من المسلحين الملثمين، يرتدون قمصانا بيضاء عليها شعار "الدولة الإسلامية" باللون الأسود، وصلوا إلى الكنيسة على دراجات نارية، وعندما غادروا بدأت النار بالاشتعال، وفي ٢٠١٥، تحديد في ٩ ديسمبر، دمّر انفجار كنيسة "الحبل بلا دنس" الكاثوليكية وفي العام التالي، قتلت أربع راهبات أجنبيات عندما هاجم مسلحون دارا للعجزة وخطفوا خلال العملية الأب أوزهوناليل (56 عاما) ولم يطلقوا سراحه إلا بعد أشهر.
وفي حديثه عن باقي الطوائف، قال الباحث بلال غلام أن جميع معتنقي الديانة الهندوسية غادروا عدن بداية العام ٩٠ وبقت عائلتان أو ثلاث أسلم أصحابها وبقوا في عدن حتى يومنا هذا.
وذكر غلام أن الذين بقوا في عدن حتى الحرب الأخيرة هم طائفتان الأنثى عشرية والبهرة، الطائفة الأولى غادر منهم الكثير وعددهم ٤٠٠ شخص إلى جيبوتي وبقوا هناك وعادت قلة قليلة منهم إلى عدن بعد الحرب. أما البهرة فمنهم من هاجر إلى منطقة حراز بصنعاء، حيث تتواجد تجمعات بهرية كبيرة، وهناك من هاجر إلى الهند وبعض دول الخليج، وهناك بعض العائلات لازالت موجودة في عدن لم تهاجر حتى اللحظة.
عبد السلام أحمد "اسم مستعار" من أبناء عدن المنتمين للمذهب الاثني عشرية يحكي تفاصيل التصادم التي وقع بها مع أبناء المنطقة التي كان يسكن فيها بمديرية صيرة، قائلا: "بدأ أمر المضايقات التي طالتني وأفراد أسرتي منذ بداية الانقلاب الذي قامت به جماعة أنصار الله على الحكومة في صنعاء، ومنذ أن بدأت ملامح الحرب بالظهور والاقتراب من عدن، اشتدت المضايقات ووصل بالبعض منها الى الشتم ومحاولة الاعتداء الجسدي."
ويتابع: "لم يكن أبناء عدن ينظرون لنا هكذا قط، على العكس تماما فقد كانت سبل التعايش بيننا جميلة ووطيدة، لكن نتيجة الحشو الفكري الذي زرع إبان الحرب، تغيرت هذه الصورة بشكل كلي، وأصبحنا في نظر الكثير كالجواسيس والعملاء، بل ووصل الحال بالبعض الى اباحة دمنا وجواز قتلنا."
غادر أحمد وأفراد أسرته الى إحدى المناطق الشمالية من البلاد، مضطرا بعد أن أحكمت قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا سيطرتها على مدينة عدن، ولم يستطيع العودة إليها حتى اللحظة.
نتائج صراعات وحروب
وفي هذا الصدد، قالت المحامية ورئيسة مؤسسة دفاع للحقوق و الحريات، هدى الصراري: "في البلدان التي نتج عنها صراعات سياسية وحروب عادة ما تحدث مثل هذه الانتهاكات خاصة فيما لو سيطرت طائفة دينية وفرضت بقوة السلاح معتقدها ونهجها وقامت بمحاربة الاقليات الدينية نتيجة غياب الدولة والقانون، وهذا ما انعكس بممارسات وأفعال مشابهة في عدن وبعض المناطق.
وعن أحداث ما بعد الحرب قالت الصراري: "هناك عائلة مسيحية حاولت استخراج جوازات من مكتب الهجرة الجوازات في عدن، وتم رفض طلبهم رفضا قاطعا لاختلاف ديانتهم عن الإسلام، رغم حملهم للجنسية اليمنية، وهذا بحد ذاته انتهاك فاحش في حق الإنسانية."
وفي سؤالنا لها عن الانصاف الممكن تقديمه لهذه الأقليات التي تعرضت للتهجير القسري من بلادهم ونهب املاكهم تجيب الصراري: "الحل يكمن في تطبيق الدستور المشتغل عليه في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وكذلك في تعزيز دور المؤسسات القضائية للدولة، مشيرة إلى أنه حاليا في ظل انعدام الدور القضائي ووجود قوانين غير منصفة، بإمكان الأقليات المهاجرة التي تحمل جنسيات أخرى غير اليمنية، أن ترفع قضايا في المحاكم الدولية وهي الوحيدة حاليا القادرة على إنصافهم، حد وصفها.